ابن كثير
194
البداية والنهاية
خلفه فعلمه علي بن الحسين ( 1 ) كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم ، وهي : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العلي العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم . توفي بالمدينة ، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري . وقال يوما لرجل من الرافضة : والله إن قتلك لقربة إلى الله عز وجل ، فقال له الرجل : إنك تمزح ، فقال : الله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد . وقال له آخر منهم : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ؟ . فقال : بلى ، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال : أيها الناس اعلموا أن هذا ولي أمركم من بعدي ، وهو القائم عليكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ، والله لئن كان الله ورسوله اختار عليا لهذا الامر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله ، وقال لهم أيضا : والله لئن ولينا من الامر شيئا لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ثم لا نقبل لكم توبة ، ويلكم غررتمونا من أنفسنا ، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه ، لو كان ما تقولون فينا حقا لكان آباؤنا إذ لم يعلمونا بذلك قد ظلمونا وكتموا عنا أفضل الأمور ، والله إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين ، كما أني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الاجر مرتين ، ويلكم أحبونا إن أطعنا الله على طاعته ، وأبغضونا إن عصينا الله على معصيته . موسى بن نصير ( 2 ) أبو عبد الرحمن اللخمي مولاهم ، كان مولى لامرأة منهم ، وقيل كان مولى لبني أمية ، افتتح بلاد المغرب ، وغنم منها أموالا لا تعد ولا توصف ، وله بها مقامات مشهورة هائلة ، ويقال إنه كان أعرج ، ويقال إنه ولد في سنة تسع عشرة ، وأصله من عين التمر ، وقيل إنه من أراشة من بلي ، سبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق ، وكان اسم أبيه نصرا فصغر ، روى عن تميم الداري ، وروى عنه ابنه عبد العزيز ، ويزيد بن مسروق اليحصبي ، وولي غزو البحر لمعاوية ، فغزا قبرص ، وبنى هنالك حصونا كالماغوصة وحصن بأنس وغير ذلك من الحصون التي بناها بقبرص ، وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين ، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس ، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان ، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز ، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرا عند أخيه بشر بن مروان . وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب ، قال البغوي ( 3 ) : ولي موسى ابن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين فافتتح بلادا كثيرة جدا مدنا وأقاليم ، وقد ذكرنا أنه
--> ( 1 ) كذا بالأصول ، وقد تقدم ان وفاته كانت سنة 94 ، ولعله كان قد علمه دعاء الكرب قبل ذلك . ( 2 ) في البيان المغرب لابن عذارى ص 1 / 39 : قيل إنه من لخم وقيل من بكر بن وائل وذكر ابن بشكوال في الصلة : موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد . كان على خراج البصرة قدمه عليها عبد الملك بن مروان . ( انظر الإمامة والسياسة 2 / 59 ) .